من السهل أن تؤمن بكذبة سمعتها ألف مرة من أن تؤمن بحقيقة لم تسمع عنها قط
يندهش المرء عندما يجد أنه بعد النكسة بقليل، يتسلطن على ثلاثة أقطار عربية ( على الأقل ) أشخاص يدعون أنهم رجال أشاوس يعملون على النهضة ووحدة الأمة و يبغون خيرها، ثم يتضح بأن كل نتائج أعمالهم لم تأتي على شعوبهم إلا بالتخلف ، والخسائر المادية و تقهقر شعوبهم.
ثم، يفاجئون ، كما تفاجأ من نصـَّبهم بأن خط الجبهة الذي يمثل خط النهضة العربية المنتكسة ، لم يوقف النيران الملتهبة، بل عبر النكسةَ بفكره و عزيمته. وبأن الشعوب العربية و الشعوب المجاورة، تقف معه و تسانده، رغم كل المحاولات لوصمه بالخنوع أو الانهزامية لجعل الآخرين يشمئزون منه ويبعدون عنه فيموت بالوحدة.
ويندهش المرء للمرة الثانية أن يجد فوضى تعم إيران ذات القوى الواعدة، ليحكمها رجل عاش في الغرب لمدة طويلة و تنعـَّم بحرية الحركة و حرية القول فيه، ليعود حاكما باسم الدين مكفرا الغربَ الذي أواه ورعاه !!
ثم يندهش المرء للمرة الثالثة عندما يلاحظ تزامنا مع هذا، بدء الانحلال ثم التفسخ التام للمعسكر الشرقي.
و يندهش المرء للمرة الرابعة، عندما يجد توالد حركات متطرفة مثل ما كان يدعى بالتكفير والهجرة، و تنامي حركة الأخوان المسلمين، ثم انتشار الحركات التخلفية والتي يسميها البعض بالسلفية تأدبا، والتي تدعي أنها تملك الإسلام كله و تخاف عليه ، بينما هي تهدم العقيدة وهيبتها ، بمعول الإرهاب و نزيف الدماء، حدث ذلك في جميع الأقطار، من المحيط الذي كان هادرا إلى الخليج الذي كان ثائرا.
ثم يندهش المرء للمرة الخامسة أن يرى قوتين تدعي الاسلام، تتناطحان في خبل مزري لمدة سنوات ثمان، يـُحرق خلالها الملايين من البشر و البلايين من الأموال التي تحتاجها النهضة و مسيرة التقدم والوحدة. هكذا على مسمع من دار الافتاء.
ثم يزداد المرء اندهاشا حتى الصدمة، لما حدث من مدعي القومية و العروبة، وما انتهت إليه الحركة الموجهة لغزو العراق للكويت، من استجلاب القوى الأجنبية لتعشش و تـَبيض و تـُفرِّخ فوق بحيرة النفط العربية، وما جاورها من بحيرات غنية مجاورة.
ثم يندهش المرء جيدا ، ببروز حركة ( بن لا... دين ) ومسرحية الطائرات في تزامن مناسب مع وجود القواعد الغربية فوق الأرض العربية، مانحة إياها عذرا طيبا لتقفز بسهولة على أفغانستان و تؤمـَّن تلك الزاوية من أي محاول لمشاركتها في موقع متميز على ساحات النفط، متكئين على اعذار وفرتها لهم ( القاعدة ) و من استغل زيفها ممن سبقها من حركات تخلفيه، ليشيع الإرهاب والتفجير ثم يلتصق بالقاعدة ، التي ترحب بالتصاقه لتغطي عقدة الفشل و مركب النقص عند القائمين عليها، بالمزيد من التصريحات المتلفزة و المعبئة بالتهديد الأجوف والخائب معا.
يتعود المرء على الاندهش ، ولم يعد يدهشه أن يرى ، قلاقل في اليمن و الصومال و أخيرا وليس آخرا كينيا والسودان أي كل ما يحيط بالنفط من بحر قزوين حتى افريقيا وباكستان !!.
......
كل تلك الخطوات المتقنة التزامن، مع ثورة التقنية ، وسرعة الاتصالات والحصول على المعلومات، ومشروع العولمة، ينتج عنها مرحلة انتقالية تنتبه لها الشعوب الواعية والعريقة في حرية التفكير، فتعمل على ما يجب من تغيير، لكي لا تتأخر عن الركب الانساني، ولكي يـُمنع شبابنا من الانتباه و السير في ركب الحضارة المتغيرة، لا بد من حملة لتخدير عقولهم و تغييبهم في مقولات ماضية ، قد تكون أدت وضيفتها في عصرها ، لكنها تتنافي مع مستلزمات العصر. حملة هي أشد فتكا و خطرا من الحملات الصليبية، أسلحتها استغلال تذمر الشباب من أوضاعهم المتعبة بالبطالة و الحكر السياسي و منع التفكير، مستغلين عصر الفضائيات و تقنية شبكة المعلومات،و امكانية تجنيد الكثيرين فيها، ليكتبوا بوفرة في المواقع والمنتديات ليمطروا مجتمعاتنا بغزارة ...الأحاديث والمقالات المتوعدة، بالأقراص الزاعقة و المهدِدَة بنار الجحيم لمن لا يقوم الليل ليذهب للجنة، و ليذهب العمل والبناء للجحيم، ولمن لا تغطي عورتها المتمثلة في جسدها كله، من فروة شعرها إلى أخمص قدمها، فيما عدى الوجه المكتئب والكفـَّين، والبعض يشمل الوجه والكفين، لكي لا يبقى إلا عينان حزينتان مكبوتتان كئيبتان، و لتحرَّم الموسيقى والطرب وكل دواع البهجة، استنادا على مقولات صفراء أكل عليها الدهر وشرب حتى الثمالة، ليكفـَّر كل من له مسلك إلى السماء يختلف عن مسلكهم ، و ليدعى عليه من أعلى المنابر بدعوات تعبر عن الحقد و الكبت الجنسي والجهل، والبعد عن الأخوة البشرية و عدالة السماء، و لينشغلوا بالكثير من الفضائيات التي تحدثهم ليل نهار، عن الطعام الاسلامي و الدواء الإسلامي والبول الإسلامي ، واللباس الاسلامي، والاقتصاد الاسلامي والجماع الاسلامي، و أهمية القدم اليمنى واليد اليسرى !! حملة تكفير لكل دواع البهجة والثقافة الحديثة، تكفير للفن وللابداع المتمثل في الموسيقى والرسم والنحت أيضا !!! . لتغمر أدمغتهم رؤية مظلمة للاسلام ، تعتمد على المظهر القميء دون الجوهر النقي.
......
وعندما تنطفئ العقول، بكل ذلك السيل الهادر من الظلام، ينتفي العقل والتعقل، ليحل الهوس والخبل في العقول الشابة، فتبحث عن انتماء آخر يأخذها بعيدا عن واقعها المؤلم، إلى عالم خيالي مملوء بالقصور الفاخرة المعبأة غرفها بأجمل الحوريات ذات البكارات المتوالية التجدد، فيندفعون إليه في حماس ثقيل الذقن، مقصر لكي لا يتعثر، مهرولا إلى انفجار يؤدي به إلى تلك الغرف، مباشرة ولا بأس من إسالة دماء بعض أهل الباطل في الطريق. الأمر الذي سيشـِيع الكره العالمي لمجتمعاتهم و عقيدتهم وعـُقدهم، و يـُخرس الآخرين عن أي احتجاج ضد أي اجراء عنيف، يتخذ ضدهم في زمن العولمة،زمن القرية الكونية الواحدة، التي يتأثر أول بيت فيها بما يحدث في آخر بيت معقد مكبوت فيها.
......
أنا لا أقول بتجاهل موروث ثقافتنا ومفكرينا كافة ، لكني أقول بوجوب تنقية تراثنا عامة، مما به من مدسوسات الأحبار والإضافات التي قام بها البعض بحسن نية أو سؤ النية.
.....
إني لم استطع أن أفهم توالي كل تلك الأحداث وتزامنها و استغلال معطيات بعضها لبناء البعض الآخر، وأنها
وجدت لها مرتعا خصبا في حقولنا بالذات، على أنه مجرد صدفة و سوء حظ،لأمر يفهمه الله وحده، تلك مغالطة بشعة
إن ذلك أمر لا يمكن أن يقبله عقل،إني ابحث عن إجابة أكثر جودة.
......
فهل انتبهنا؟؟؟
هل ينتبه أصحاب الفضائيات، فيطهرون برامجهم من الذقون الداعية للهوس؟؟
هل ينتبه أصحاب المجلات والصحف، للاندساس والمدسوسين؟؟
هل ينتبه أصحاب المنتديات، للعاملين ضد شعوب المنطقة مختفين تحت رداء الدين والتدين ؟؟
هل انتبه شبابنا، إلى أن ما يمطرون به، هو دليل على أنهم قابلون للتطور و هزم الأعداء، والتقدم لكل الميادين بجدارة، وإلا ما سلطوا عليهم سحب التخلف السوداء لتمطرهم بحجارة من سجيل..؟؟
......